أثارت الجريمة المروعة التي شهدتها منطقة سيدي بشر بمحافظة الإسكندرية، والتي اتُّهمت فيها المحامية الحقوقية سالي الجباس بقتل والدتها وتقطيع جثمانها، صدمة واسعة في الشارع المصري، لما حملته الواقعة من تفاصيل مؤلمة وغير مألوفة.
وبعيدًا عن مجريات التحقيقات، ومع التأكيد على احترام قرينة البراءة حتى صدور حكم قضائي نهائي، فإن مثل هذه الوقائع تدفعنا إلى التأمل في أهمية ترسيخ القيم الدينية والأخلاقية، وفي مقدمتها بر الوالدين، الذي جعله الإسلام من أعظم القربات إلى الله تعالى.
⚖️ تنويه مهم: يعتمد هذا التقرير على المعلومات المتداولة والبيانات الرسمية، مع احترام قرينة البراءة، إذ لا تزال القضية منظورة أمام جهات التحقيق ولم يصدر فيها حكم قضائي نهائي.
عظم حق الأم في الإسلام وخطورة عقوقها
جعل الإسلام الأم في منزلة عظيمة، وأوجب برها والإحسان إليها، بل قرن حقها بحق الله سبحانه وتعالى، فقال عز وجل:
﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ (سورة الإسراء: 23)
كما قال سبحانه: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ ۖ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ﴾ (سورة لقمان: 14)
وفي السنة النبوية أكد رسول الله ﷺ مكانة الأم فقال:
«جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك». (متفق عليه)
وهذا يدل على عظيم فضل الأم، وأن الإحسان إليها مقدم على كثير من أعمال البر.
تفاصيل واقعة الإسكندرية.. كيف بدأت القضية؟
بدأت خيوط القضية عندما تلقّت الأجهزة الأمنية بمحافظة الإسكندرية بلاغًا من سكان أحد العقارات بمنطقة سيدي بشر يفيد بانبعاث رائحة كريهة من إحدى الشقق السكنية.
وبانتقال قوات الأمن إلى موقع البلاغ، عُثر على رأس المجني عليها داخل مجمد الطعام (الفريزر)، بينما كانت بقية أجزاء الجثمان موزعة داخل الشقة، لتبدأ بعدها التحقيقات لكشف ملابسات الواقعة.
التحريات تقود إلى الابنة
كشفت التحريات الأولية عن الاشتباه في ابنة المجني عليها، المحامية سالي الجباس، التي كانت تقيم مع والدتها داخل الشقة.
وأشارت التحقيقات إلى أنها غادرت محل إقامتها عقب الواقعة، قبل أن تتمكن الأجهزة الأمنية من ضبطها بمدينة الشيخ زايد بمحافظة الجيزة، وترحيلها إلى الإسكندرية لاستكمال التحقيقات.
ماذا تضمنت التحقيقات الأولية؟
بحسب ما ورد في التحقيقات الأولية وما نُسب إلى المتهمة:
- وجود خلافات أسرية سابقة بين المتهمة ووالدتها.
- تطور تلك الخلافات إلى مشادة داخل الشقة.
- نُسب إليها أنها قامت بخنق والدتها حتى فارقت الحياة.
- كما نُسب إليها تقطيع الجثمان باستخدام سلاح أبيض في محاولة لإخفاء معالم الجريمة.
وأكدت وزارة الداخلية أن التحريات توصلت إلى وقوع مشادة بين الطرفين انتهت بوفاة المجني عليها، مع التحفظ على الأداة المستخدمة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة.
وفي المقابل، شدد دفاع المتهمة على تمسك موكلته بكامل حقوقها القانونية، وضرورة احترام الإجراءات القضائية حتى انتهاء التحقيقات.
من هي سالي الجباس؟
تُعد سالي الجباس من المحاميات المعروفات في الأوساط الحقوقية والنقابية، حيث عملت محامية بالنقض، وشاركت في العديد من المبادرات المجتمعية.
ومن أبرز إنجازاتها:
- الحصول على لقب سفيرة العمل التطوعي عام 2019.
- المشاركة في التوعية القانونية ومناقشة مقترحات تعديل قانون الأحوال الشخصية.
- الدفاع عن غير القادرين دون مقابل من خلال مؤسسة الجباس القانونية.
- رئاسة اتحاد المحاميات المصريات.
- الظهور في برامج تلفزيونية لمناقشة قضايا المرأة والأسرة.
ماذا تعلمنا من هذه القضية؟
لا يجوز الجزم بسبب أي جريمة قبل انتهاء التحقيقات، لكن مثل هذه الوقائع تذكرنا بأهمية غرس القيم الدينية والأخلاقية، وتعليم الأبناء منذ الصغر بر الوالدين، وضبط النفس، واللجوء إلى الحوار عند وقوع الخلافات.
فالإيمان الصحيح يزرع الرحمة، ويمنع الظلم، ويغرس مراقبة الله في السر والعلن، وهو من أعظم أسباب استقرار الأسرة والمجتمع.
وقد صدق الشاعر حين قال:
إذا الإيمان ضاع فلا أمان ............... ولا دنيا لمن لم يحي دينًا
ومن رضي الحياة بغير دين .............. فقد جعل الفناء لها قرينًا
خاتمة
تبقى قضية سالي الجباس من أكثر القضايا التي شغلت الرأي العام المصري، ولا تزال تفاصيلها محل تحقيق أمام الجهات القضائية المختصة.
وفي جميع الأحوال، فإن هذه الحادثة تذكرنا بعظم حق الوالدين، وبخاصة الأم التي أوصى الله ورسوله ﷺ ببرها والإحسان إليها، كما تدعونا إلى التمسك بالقيم الدينية، ونشر ثقافة الرحمة، وتقوية الروابط الأسرية، فبصلاح الأسرة يصلح المجتمع، وبالإيمان والأخلاق تحفظ النفوس من الانحراف والوقوع في المآسي.


